صديق الحسيني القنوجي البخاري

106

أبجد العلوم

أو يمكنه العمل في بعض ولا يمكنه العمل الكامل . ولذا كان جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم يعرفون جميع ما قام بلسان العرب ، وعرفوا السنة والكتاب ولم يمكنهم ذلك مثل أبي هريرة وأمثاله . وترى ابن عباس من صغار الصحابة وصار بحر الأمة ، وكانت له اليد الطولى والسهم المعلى ، وفي كل عصر هكذا فهي عطايا وحظوظ ، وقد عثر المتأخر على أدلة قد عجز عنها الأوائل وصنع في التصانيف ما لا يقدر عليه الأماثل . ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ . وأما أسباب المهالك فهي أيضا كثيرة : منها : أن يريد أن يكون له بذلك العلم رفعة وشأن ، وينظره الناس بذلك ، ويقال في حقه عالم أو نحرير أو مبرز لا يمارى . ومنها : أن يكون ناصر البدعة سواء علم واستدام على ذلك عجرفة ، أو عرف ما هو الحق ولم يصغ إليه ، أو نصر قولا له قد سبق على خلاف الحق فانكشف له الحق ، أو لم يسمع من المعرف له بالحق ، أو قام برياسة فأراد أن يجبر الناس على قوله وإن كان صوابا لكن المخالف له معه دليل لا يؤدي مخالفته لما قاله إلا التنكيل به والعقاب له . ومنها : أن يكون قد فتح عليه ، وكان قبل ذلك مقلدا لأحد الأعلام ، فلا يزال يتعصب له بعد معرفته بأن الحق خلافه عمدا وعنادا . ومنها : أن يكون ممن له شغل بالعلم ، ولكن لم تكن له اليد الطولى ، وصار يفرع ويلحق مسائل متخيلة ويكمل الشريعة ويوجب ويحلل ويحرّم . فهذه الأمور مع ما سبق في غضون الكلام في تفصيل هذا المقام إذا تتبعها الذي يريد النجاح وعمل بها فاز بالفلاح ، وإلا أهلك نفسه وصار من حزب النار نعوذ باللّه من ذلك . ولهذه الأمور بسطة بسطها الشيخ الفاضل العلامة علي بن محمد بن علي الشوكاني - رحمه اللّه - في كتابه ( الدرر الفاخرة الشاملة لسعادة الدنيا والآخرة ) فمن أراد الاطلاع عليه فليراجعه . * * *